عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

308

اللباب في علوم الكتاب

التّقاتل والاختلاف . والضّمير في « جاءتهم » يعود على الّذين من بعدهم ، وهم أمم الأنبياء . فصل [ في تعلق هذه الآية بما قبلها ] تعلق هذه الآية بما قبلها : أنّ الرسل - عليهم الصّلاة والسّلام - لما جاءوا بالبيّنات ، وأوضحوا الدّلائل ، والبراهين ، اختلف أقوامهم فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا ، وتحاربوا ، ولو شاء اللّه ألّا يقتتلوا لم يقتتلوا . واستدلّوا بهذه الآية على أنّ الحوادث إنّما تحدث بقضاء اللّه وقدره . ثم قال : « وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ » وإذا اختلفوا ، فلا جرم اقتتلوا . وهذه الآية دالّة على أنّ الفعل لا يقع إلّا بعد حصول الدّاعي ؛ لأنّه بيّن أن الاختلاف مستلزم للتقاتل ، والمعنى : أنّ اختلافهم في الدّين يدعو إلى المقاتلة ، وذلك يدلّ على أنّ المقاتلة لا تقع إلا لهذا الدّاعي ، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكلّ بقضاء اللّه وقدره ؛ لأنّ الدّواعي تستند لا محالة إلى داعية خلق اللّه تبارك وتعالى في العبد « 1 » دفعا للتّسلسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه أيضا على صحّة هذا المذهب . قوله : « وَلكِنِ اخْتَلَفُوا » وجه الاستدراك واضح ، فإنّ « لكن » واقعة بين ضدّين ، إذ المعنى : ولو شاء اللّه الاتّفاق لاتّفقوا ؛ ولكن شاء الاختلاف فاختلفوا . وقال أبو البقاء « 2 » رحمه اللّه : « لكن » استدراك لما دلّ الكلام عليه ، لأنّ اقتتالهم كان لاختلافهم ، ثم بيّن الاختلاف بقوله : « فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ » ، فلا محلّ حينئذ لقوله : « فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ » . وكسرت النّون من « وَلكِنِ اخْتَلَفُوا » لالتقاء السّاكنين ويجوز حذفها في غير القرآن الكريم ، وأنشد سيبويه : [ الطويل ] 1172 - فلست بآتيه ، ولا أستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل « 3 » قوله : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا » فيه قولان :

--> ( 1 ) في ب : الخلق . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 160 . ( 3 ) البيت للنجاشي ينظر ديوانه ص 111 ، والأزهية ص 296 ، خزانة الأدب 10 / 418 ، 419 ، شرح أبيات سيبويه 1 / 195 ، شرح التصريح 1 / 196 ، شواهد المغني 2 / 701 ، الكتاب 1 / 27 ، المنصف 2 / 229 ، الأشباه والنظائر 2 / 133 ، 361 ، الإنصاف 2 / 684 ، أوضح المسالك 1 / 671 ، تخليص الشواهد ص 269 ، الجنى الداني ص 592 ، سر الصناعة 2 / 440 ، شرح الأشموني 1 / 136 ، شرح المفصل 9 / 142 ، اللامات 159 ، لسان العرب : لكن ، مغني اللبيب 1 / 291 ، همع الهوامع 2 / 156 ( 1172 ) .